المساعدات الإنسانية السعودية ..

المساعدات الإنسانية السعودية ..

خميس, 22 سبتمبر, 2022

7 دقيقة / دقائق قراءة

توطئة

لا تسعى هذه القراءة إلى تقديم النقد بهدف النقد أو الاستهداف، ولكنها تهدف إلى تقديم حزمة من  الرؤى والحلول المعيارية والمدروسة المستندة إلى بيانات ومعلومات دقيقة مستقاة من واقع الميدان، من شأنها أن تضع خارطة طريق واضحة المعالم، بأولويات الإصلاحات التي ينبغي اتخاذ تدابيرها لتجويد تدخلات مركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية في اليمن، ويجب الإشارة هنا أيضا إلى أن السبب في تناول المركز فقط دون غيره، يعود إلى أهميته وقيمته الكبيرة يمنيا، ذلك أن الكثير من المراقبين والمختصين في هذا المجال يرونه البديل الأنسب والأكثر ملاءمة لتغطية فجوة الأزمة الإنسانية في ظل قصور كبير  رافق ويرافق أداء منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية، ولأنه يتربع هذه المكانة يمنيا، كان من الواجب تقديم قراءة نقدية عامة لمسيرة المركز منذ تأسيسه، وبناء مقترحات الحلول التي من المؤكد أنها ستتحول آليا إلى خطط عمل، تسهم في إحداث نقلة

نوعية ينشدها الجميع.

وننوه هنا بأن هذه المراجعة العامة اتكأت على مرجعية المعايير المتبعة عالميا في تقييم الأعمال الإنسانية وهي:

– القانون الدولي الإنساني والقوانين والاتفاقيات ذات الصلة.

– المعايير الأساسية للعمل الإنساني المعممة من الصليب الأحمر الدولي.

– المعايير الدنيا في العمل الإنساني(أسفير)

– إرشادات وتعميمات اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات.

– نظم الجودة والشفافية والمساءلة المعتمدة في العمل الإنساني.

عن المركز في اليمن

يعتبر مركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية من أوائل الهيئات المستجيبة للأزمة الإنسانية في اليمن، بتدخلات إنسانية نوعية، غطت العديد من القطاعات منها:

-الأمن الغذائي وسبل العيش الزراعية.

-دعم النظام الصحي.

-الحماية.

– المياه والنظافة والصرف الصحي.

-التعافي المبكر.

وغيرها، وإلى ذلك يسهم المركز بفاعلية كبيرة  في دعم خطط الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة في اليمن، وتأتي اليمن في قمة هرم الدول المستفيدة من المركز، بإجمالي مشاريع بلغت (٥٩١مشروعا)، وبتكلفة إجمالية تصل إلى (٣.٥٣٣.٨١٢.٥٠٩)، شملت هذه المشاريع وفقا للخطط جميع المحافظات اليمنية واستهدفت الرجال والنساء والشباب والفتيات والأطفال، بل واشتملت على تدخلات نوعية ذات أهمية خاصة مثل مشاريع حماية الطفل ومشاريع سبل العيش.

نظرة على الأثر

تبرز المؤشرات الواردة أعلى، دعما مميزا وتدخلات نوعية، قدمها المركز لصالح الشعب اليمني عموما والمتضررين من الحرب بشكل أخص، لكن السؤال المهم هنا: هل استطاع هذا الدعم أن يحقق أثرا فاعلا وكبيرا مقارنة بحجمه أم أخفق في ذلك؟

بطبيعة الحال، وبلا شك، أسهم هذا الدعم في تجاوز الكثير من المنزلقات الإنسانية الكبيرة وفي مراحل مختلفة منذ بدء الحرب، لكنه في المقابل لم يتمكن من  الحفاظ على الإنجازات التي حققها، بإستمرار البناء عليها  وتعزيزها بآلية عمل  واضحة ومتكاملة ومنسقة ضامنة لحدوث تقدم ملموس في ردم نسبة كبيرة من فجوة الأزمة الإنسانية، بل شاب ذلك الكثير من العشوائية الناتجة عن سوء التخطيط العام وغياب المؤشرات المرجعية الدقيقة، كما هو الحال أيضا في خطط الاستجابة الإنسانية التابعة للأمم المتحدة،ومن المؤكد أن المعيار الأساسي  لقياس القيمة الحقيقية لأي تمويل يكمن في تحقيقه لأثر فاعل ومخرجات جيدة، ومدى إسهامه في ردم فجوة الأزمة الإنسانية، فماذا عن الأثر الفاعل وجودة المخرجات؟

في الإجابة على هذا السؤال المهم يرى الكثير من المراقبين والمختصين والعاملين المحليين في المجال الإنساني، وعينات ممثلة من المجتمعات المستفيدة، بأن غالبية التدخلات لم تتمكن من إحداث أثر فاعل كما هو مخطط لها، ولم تصل إلى تحقيق مخرجات جيدة، ومن خلال إفاداتهم جميعا يعود المسبب  الأكبر في ذلك إلى قصور المركز في تبني سياسات إجرائية معيارية ضابطة لمسار التدخلات، وضامنة لإحداث الأثر الفاعل وتحقيق الأهداف المخطط لها، وذلك ما أسهم بدوره في خفض فاعلية التدخلات، كون هذا المسبب أحدث التالي:

– إتاحة منافذ فساد أمام العاملين ( فريق المركز- الشركاء- فرق الشركاء- الشركات التي تعمل لصالح الشركاء).

-وصول المساعدات للمستفيدين بشكل غير صحيح، فلا يمكنهم أن ينتفعوا بها أحيانا، وقد تتسبب لهم بأعباء ومشكلات إضافية أحايين أخرى.

وكلا الأمرين متصلان ببعض، ويتسببان بفقد قيمة الخدمات والمساعدات المقدمة.

توضيح المفهوم

نعني بالسياسات الإجرائية في هذه التناولة، بناء وتطبيق محددات وموجهات معيارية مرجعية ضابطة لسير العمل عموما وسير عمل التدخلات في كافة مراحلها ابتداء بعمليات التخطيط مرورا بالتحضير والتنفيذ والمراقبة والتقييمات المرحلية انتهاء بالتقييم الإجمالي، بالإضافة إلى الضوابط الأخرى المرتبطة ببناء الشراكات وإلغائها، وتحديد الاحتياجات والأولويات، وإجراءات الشفافية والمساءلة وغيرها، حيث بمقدور هذه السياسات أن تعمل على الحد من اختلالات الفساد وكوارث التخطيط الوهمي غير المنضبط بالمؤشرات، ويعني ذلك وضع الضوابط و اللوائح والنظم اللازمة لتسيير العمليات التالية:

– الخطة الاستراتيجية والخطط السنوية ذات الصلة بالتدخلات في اليمن.

– جودة العمليات الإدارية والمالية.

– بناء الشراكات وإلغائها.

-تقدير الاحتياجات وترتيب أولوياتها.

– المراقبة والتقييم والمساءلة.

– مراقبة السلوك المهني للعاملين السعوديين والمحليين.

فبسبب غياب السياسات الضابطة لهذه البنود بدرجة رئيسية، وجدت الكثير من المنافذ المفتوحة لممارسات الفساد والعبث وعلى مستوى رفيع، لتصبح معايير الفساد هي من تتحكم بتوجيه مسارات العمل.

تشخيص ومقترحات

في مايلي ملخص لأوجه القصور والمعالجات مسرودة بشكل نقاط.

أولا: غياب مرجعيات وآليات بناء الشراكات وإنهائها: وهذه إشكالية حقيقية وكبيرة يجب العمل على ردمها بشكل لا يقبل التأجيل، فذلك ما دفع بعض المراقبين إلى وصف شركاء المركز في اليمن بأنهم (أذرعة تنفيذية) وليسو شركاء، وإلى حد كبير نستطيع التأكيد  بأنه وصف قد  حالف الصواب، فقد عمد المركز وخلال سنوات عمله، إلى إسناد مشاريعه إلى شركاء محدودين ومحددين، معظمهم أثبت فشله الذريع في تنفيذ المشاريع كما خطط لها، ومع ذلك ظل المركز متمسكا بهم كشركاء منفذين، وفي هذه الجزئية ثغرة واسعة للفساد والعبث ومؤشر على تشكل لوبي فساد على مستوى رفيع، للاعتبارات التالية:

1_ استمرار التمسك بشريك أثبت فشله مرارا، يؤكد يقينا على تشكل لوبي داخل المركز من صناع القرار، تجمعه مصالح غير مشروعة مشتركة مع الشركاء، هو من يقف خلف استمرار هذا الإختلال، لخدمة مصالحه الشخصية، ويؤدي هذا حتما إلى خفض جودة المشروع وخدماته، نتيجة ذهاب الكثير من موازنته المرصودة لصالح أشخاص على حساب جودة العمل.

2_ ضمان الشريك المنفذ، لاستمرارية تعامل المركز معه كمانح، بغض النظر عن مستوى أدائه، ينعكس ذلك على أدائه في العمل، وبالتالي على مدى اهتمامه بتحصل المخرجات وتحقيق الأثر، وذلك ماحدث ويحدث في كثير من المشاريع التي ينفذها الشركاء ، حيث يتم تنفيذها بإخلال كبير للمعايير، ومخالفات واضحة لإجراءات الجودة.

ومهما كانت التجربة التي خاضها طالمركز بهذا الخصوص، فإن المعالجات الملائمة لهذا الاختلال، تتجسد في:

1_ إتاحة التقدم لتنفيذ المشاريع عبر آليات شفافة وواضحة من خلال الإعلان، واستقبال طلبات التقدم، وإرساء المناقصات على المتقدم الأكفأ  حسب ماتبرزه وثائق الشريك، ووفقا لتقرير الفريق المعني بدراسة الطلبات.

2_ توسيع مجال الشراكات وخصوصا مع المنظمات المحلية والمبادرات الشبابية والمجتمعية، وفقا لقدراتها وإمكاناتها ، مع مراقبة أدائها باستمرار.

3_ تجنب اختيار الشركاء عبر التزكيات والترشيحات المتحيزة.

4_ وضع قائمة سوداء، يحال إليها الشركاء المخفقين في إنجاز المشاريع المسندة إليهم أكثر من مرة، على أن تكون محكومة بضوابط يضعها خبراء مختصون.

5_  إسناد المشاريع النوعية المتخصصة،  إلى شركاء يمتلكون الخبرات والطواقم المتخصصة بذات المجال.

6_ تطبيق نظام صارم لمراقبة السلوك المهني للموظفين.

 

ثانيا: غياب مبدأ تحديد الاحتياجات وترتيب الأولويات: وهو أيضا باب آخر لعمليات فساد واسعة، والسبب الأول لغياب الأثر الفاعل، فإذا لم يستند المشروع إلى دراسة تحديد احتياج مرفقة به،فلن يكون بمقدور أحد أن يقيس أثر المشروع كونه لايستند إلى مؤشرات مدروسة، فيصبح نوعا من الهدر ، وهناك الكثير من الأمثلة لهذه المشاريع والمساعدات، وبطبيعة الحال لن يتم إيراد أي من الأمثلة هنا تجنبا للتشهير، لكننا نستطيع الإشارة إلى أن صرف جهاز طبي لمستشفى دون التحقق من أولوية احتياجه لهذا الجهاز أو قدرة طواقمه على تشغيله، وكذلك اعتماد أنشطة سبل عيش في مناطق لا تمثل سوقا أو فرصة لنوعية الأنشطة، أو منح مساعدات غذائية في مناطق ليست ذات احتياج شديد ، كل هذا يعد نوع من أنواع الهدر، إلى جانب أنه يتيح فجوة واسعة لممارسة الفساد.

ويمكن تلخيص الحلول المرتبطة بهذه الجزئية في :

1_ توظيف فريق محلي تابع للمركز، يقوم بمهام تحديد الاحتياجات وترتيب الأولويات باتباع المنهجيات المعتمدة، يتولى هذا الفريق مراجعة كل الطلبات التي يستقبلها المركز في كافة القطاعات، وإجراء دراسات التحقق من الاحتياج.

2_ إلزام كافة الشركاء، بتصميم المشاريع إستنادا إلى دراسات احتياج دقيقة ومنهجية، على أن يقوم الفريق المذكور في النقطة السابقة بمراجعتها والتحقق من جودة مؤشراتها.

 

ثالثا: ضعف آليات المراقبة والتقييم:

ولقد أدى هذا الضعف بالذات إلى خلق واقع مغاير تضاعفت فيه معاناة النازحين والمتضررين، وبرزت مظاهر الثراء في أوساط عمال الإغاثة وطواقم وقيادات الشركاء، ولتشخيص جذور مشكلة ضعف آليات المراقبة والتقييم، يمكن التأمل في هذين النقطتين:

 

في المراقبة والتقييم يعتمد المركز على شركات تقييم تعتمد منهجيات التقييم التقليدي المتمثلة في تنفيذ استبيانات جاهزة تحمل أسئلة كثيرة ومعقدة، أو الاتصال بعينات عشوائية لإجراء مقابلات الأسئلة معهم، ومن المؤكد أن هذه الأساليب في التقييم ليست مجدية، ولا تعطي تقييما صادقا.

أو على تقارير الشركاء والتي من المؤكد أنها ستعطي تقييما عاليا لا يعكس حقيقة الواقع.

ويتلخص العلاج هنا في :

أولا: عدم الاكتفاء بتقارير الشركاء، وتشكيل فريق مراقبة وتقييم من قبل المركز في كل مشروع تغطى نفقاته بتخصيص ٣% من إجمالي موازنة المشروع لإنجاز أعمالهم، ويمكن أيضا التعاقد مع منظمة أخرى غير الشريك المنفذ لإجراء عمليات المراقبة والتقييم.

ثانيا: إتاحة نوافذ ممكنة الوصول وآمنة تتبع المركز مباشرة لتلقي الشكاوى والبلاغات، مع أهمية اتباع آليات للتحقق منها، فقد تكون بعض الشكاوى كيدية وليست صحيحة.

 

ثالثا: إلزام الشركاء أيضا بإتاحة نوافذ للشكاوى والبلاغات بذات المواصفات المذكورة في النقطة السابقة، فهناك العديد ممن التقيناهم يتمنون لو وجدت أي وسائل لرفع الشكاوى والبلاغات بشكل مباشر لقيادات الجهات المنفذة.

 

رابعا: جودة اختيار الموظفين: سواء كانوا سعوديين أو محليين، ذلك أن اختيار العاملين الأكفاء في كل القطاعات، يسهم في التقليل من الاختلالات الواردة، فبإمكان الموظف الأكفأ أن يرصد الخلل حين وقوعه ويقوم بمعالجته فوريا قبل أن يتحول هذا الخلل إلى إجراء رسمي أو معلومات وبيانات معتمدة، وبإمكانه أيضا أن يسهم في تقدير الاحتياج بشكل أولي قبل الرفع بالطلبات، وغير ذلك، فمن المهم جدا أن تتم مراجعات شاملة ونوعية في هذا الجانب.

 

خاتمة

نؤكد هنا ما بدأنا به وهو أننا لا نقصد من وراء هذه المراجعة أن ننسف الدعم السخي والنوعي المقدم من المركز، فلقد أسهم فعليا في إنقاذ البلاد أكثر من مرحلة من موجات الأزمات الإنسانية العاصفة، لكننا نود

لفت إنتباه المعنيين إلى إنحرافات الفساد التي رافقت مسيرة التدخلات لتقف حائلا كبيرا أمام تحقيق الأثر الفاعل والمدروس والمتنامي ( الأثر المستدام)، كما أننا نود أيضا إيضاح مكامن الخلل التي تغلغلت عبرها ممارسات الفساد،  وأن المعالجات الملائمة لهذه الاختلالات سهلة وفي المتناول ولا تتطلب أعباء إضافية كبيرة، وهي كفيلة بإحداث أداء مؤسسي وميداني متفرد ونوعي إذا ما تم الأخذ بمقتضاها عمليا لا نظريا.