مسيرة حافلة بالدماء والإرهاب.. إيرلو وفاة غامضة ونهاية مأساوية

مسيرة حافلة بالدماء والإرهاب.. إيرلو وفاة غامضة ونهاية مأساوية

أربعاء, 22 ديسمبر, 2021

8 دقيقة / دقائق قراءة

تتباهى إيران بموت أتباعها وقياداتها العسكرية والمدنية في أي عملية كانت بوصفهم شهداء، فلماذا تحاول أن تخفي حقيقة هلاك "حسن إيرلو" سفيرها غير المعترف به دولياً، في غارة جوية شنها التحالف على قيادات حوثية وضباط إيرانيين، غير محددة المعالم ما إن كانت بصنعاء، أو في إحدى مواقع الجبهات، خصوصاً وأنه لم يتم الإعلان عن غارات جوية استهدفت السفارة الإيرانية بصنعاء.

حسن إيرلو (1959 - 20 ديسمبر 2021) الذي اختارته إيران بعناية لإدارة الملف اليمني منذ العام 2015م، والذي يعتبر من أخطر القيادات الإيرانية التي جمعت بين الخبرة في العلاقات الدولية والعمل العسكري، فهو حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة وزارة الخارجية الإيرانية في قسم العلاقات الدولية، ومسؤول في فيلق القدس الإيراني، والذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، ويوصف باعتباره عنصراً مركزياً في جهود طهران لإبراز قوتها في اليمن وسوريا وغيرها من البلدان.

في أكتوبر 2020 وصل إيرلو إلى صنعاء في ظروف غامضة، أشارت بعض المصادر الدبلوماسية والإعلامية، حينها، إلى وصوله عن طريق طائرة عمانية أقلت رعايا أميركيين كانوا محتجزين لدى الميليشيات الحوثية، إضافة إلى عدد من الجرحى الحوثيين الذين تم إخلاؤهم إلى مسقط لتلقي العلاج.

ومنذ وصوله صنعاء كرس إيرلو كل جهده لإدارة المعركة الحوثية ضد الشرعية، ووصف هذا القيادي في الحرس الثوري الإيراني بأنه "الحاكم الفعلي لصنعاء"، الذي خطط للكثير من العمليات العسكرية ورسم ملامح المعارك التي يشنها الحوثيون ضد الحكومة الشرعية في عدد من الجبهات.

والقيادي الإيراني في الحرس الثوري هو من خطط للحوثيين هجومهم الإرهابي وحملتهم العسكرية ضد محافظة مأرب، ووجهت إليه اتهامات حكومية بوقوفه وراء الهجوم الدامي الذي طال مطار عدن في 30 ديسمبر/كانون الأول 2020، لحظة وصول طائرة حكومة المحاصصة إليه، وأسفر عن مقتل 28 شخصاً.

كما شهدت الهجمات الجوية والصاروخية الحوثية على الأراضي السعودية كثافة منذ وصوله إلى صنعاء، وظهرت صواريخ بالستية وطائرات مسيرة وألغام بحرية، لم تكن لدى المليشيات في فترة سابقة، يعتقد البعض أنها صناعتها أو تركيبها تزامنت مع تسلل الخبراء مع السفير الإيراني الذي تسلل خلسة إلى صنعاء..

وتعاملت الإدارة الأميركية مع إيرلو كواحد من قيادات الصف الأول في جماعة الحوثيين، إذ تم إدراجه في القائمة السوداء للخزانة الأميركية في مطلع ديسمبر/كانون الأول 2020، باعتباره مسؤولاً في فيلق القدس.

وإدراكاً لخطر هذا التدخل الإيراني بالشأن اليمني، وإدارة الحرس الثوري للمعركة، كانت الحكومة الشرعية قد بعثت برسالة إلى مجلس الأمن حول تهريب النظام الايراني أحد عناصره الى اليمن وتنصيبه سفيراً لدى المليشيا في 19 أكتوبر 2020م، معتبرة ذلك مخالفة صريحة للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن بما فيها القرار رقم 2216.

وأشارت الحكومة إلى تصريحات النظام الإيراني المارق بتاريخ ١٧ أكتوبر الجاري، المنشور في موقع وكالة أنباء فارس، عن المتحدث الرسمي باسم وزارة خارجية النظام الإيراني المدعو سعيد خطيب زاده، بأن النظام قد أرسل "سفيرا" له الى صنعاء، هو المدعو حسن إيرلو.

وأكدت بأن استمرار النظام الإيراني بهكذا تصرفات، والتي تشكل انتهاكاً لقواعد القانون الدولي، وإخلالاً بالتزامات إيران الدولية بموجب ميثاق الأمم المتحدة واتفاقيتي فيينا للعلاقات الدبلوماسية والقنصلية وقرار مجلس الأمن رقم ٢٢١٦ (٢٠١٥) والذي يعيد – ضمن جملة أمور- التأكيد في بنده الحادي عشر على "مبدأ حرمة المباني الدبلوماسية والقنصلية والالتزامات المنوطة بالحكومات المضيفة، إنما هي تصرفات تعتبر تحدياً فاضحاً للمجتمع الدولي وتشكل سابقات خطيرة تمس بجوهر حقوق الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وتسمح للدول والأنظمة المارقة بتمكين المتمردين والإنقلابيين من انتهاك سيادة الدول والانتقاص منها والاستيلاء على ممتلكاتها الثابتة والمنقولة، بل وتؤسس هكذا ممارسة سابقةً لإرسال مبعوثين لتمثيل الدولة المارقة لدى جماعات متمردة انقلابية وإرهابية.

ونبهت الحكومة اليمنية إلى إن إرسال النظام الإيراني لأحد عناصره الإرهابية كسفير له من شأنه تمكين مليشيا انقلابية متمردة من التصرف باسم دولة عضو في الأمم المتحدة هي الجمهورية اليمنية، ويمثل تأكيدًا فاضحاً لسوء نواياه تجاه اليمن، واستمراراً في تحديه للمجتمع الدولي من خلال التعامل العدائي المقصود في علاقات النظام الدبلوماسية بالدول الاخرى منذ بدايات قيام الجمهورية الإسلامية الايرانية، ابتداءً باقتحام واحتلال سفارة الولايات المتحدة الامريكية، مروراً بسفارة بلادنا، وانتهاءً بالأعمال العدوانية التي تعرضت لها سفارة المملكة العربية السعودية وقنصليتها، وأخيراً إرسال هذا المبعوث كسفير لدى المتمردين، الامر الذي يشكل استمرار لسلوكها العدواني والتآمري في دعم المليشيات الحوثية الإيرانية ضد الجمهورية اليمنية والشعب اليمني.

كما تطرقت الحكومة الشرعية في رسالتها إلى قيام النظام في إيران باستلام أوراق اعتماد ممثل الحوثيين سفيراً لديها بتاريخ 19 نوفمبر 2019م وتسليمه مقر البعثة اليمنية وتمكين مليشيا متمردة انقلابية من التصرف باسم دولة عضو في الأمم المتحدة.

وشددت الحكومة على أن الدفاع عن قواعد القانون الدولي مهمة جماعية يجب أن تضطلع بها جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة.. مطالبة مجلس الأمن ادانة هذه التصرفات المختلة حفاظاً على القواعد المنظمة للعلاقات الدولية كي لا يؤسس السلوك الإيراني لسابقة خطيرة في العلاقات الدولية.

كما أكدت الحكومة في الوقت نفسه على حقها في اتخاذ كل ما تراه مناسباً للحفاظ على حقوقها، وأوضحت حكومة الجمهورية اليمنية بان أي تصرفات تصدر باسمها من السفارة المحتلة في طهران منذ قطع علاقاتها بالنظام الإيراني تعتبر باطلة وكأن لم تكن.

وفيما وجهت لـ "إيرلو" تهماً بعمله في توجيه جناح صعدة المتطرف (الأسرة الحوثية القادمة من مران) لضرب جناح صنعاء (الحلفاء القبليين أو من ذوي السلالة الهاشمية) وإقصائهم من رأس هرم الوزارات والمحافظات والمناصب، وترجيح كفة الجناح العقائدي العسكري المتشدد المرتبط مباشرة بالحرس الثوري الإيراني في طهران، وكذا اتهامه بأنه خلف عمليات الاغتيال أو الموت المفاجئ التي طالت قيادات بارزة في المليشيات الحوثية منذ وصوله إلى صنعاء، ومن أبرزهم وزير الشباب والرياضة السابق في حكومة الحوثيين غير المعترف بها حسن زيد..فإن ردود الأفعال الحوثية الباهتة لنبأ وفاة إيرلو أثارت الشكوك بإمكانية قيام إحدى الأجنحة الحوثية بالتخلص منه في صنعاء، خصوصاً بعد تحركاته المشبوهة وتصريحاته المثيرة للجدل، وفقاً لـ "العربي الجديد".وكان من أبرز تلك التصريحات وصفه للمبادرة السعودية لإنهاء الأزمة اليمنية بأنها "مشروع حرب"، في موقف أثار امتعاض قيادات ونشطاء داخل صفوف الجماعة، وقلل ناشطون موالون للحوثيين حينها من تلك التصريحات، وقال الصحافي الموالي للجماعة الحسن الجلال، في تصريحات سابقة لـ"العربي الجديد"، إن تصريحات إيرلو لم تكن أكثر من مجرد رأي، وهي ليست ملزمة لجماعته، وخصوصاً إذا كان الرأي مخالفا لتوجهات القيادة السياسية في صنعاء.

وبحسب الموقع ذاته فقد تزايدت هذه الشكوك عقب تقارير نشرتها وسائل إعلام دولية، الجمعة الماضي، تحدثت عن خلاف كامن بين السلطات الحوثية ورجل إيران في اليمن، حيث نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين غربيين وآخرين من الشرق الأوسط، قولهم إن جماعة الحوثيين كانت تريد مغادرة السفير على الفور، كونه بات "مشكلة سياسية تزيد الأعباء بالنظر إلى نفوذه الكبير والذي يعزز التصور بأن الحوثيين يستجيبون لإيران".

وقال الخبير العسكري اليمني علي الذهب، في تغريدة على "تويتر"، أمس الثلاثاء، إن موت إيرلو "يفتح أسئلة أخرى عن الموت المفاجئ الذي تعرض له القيادي الحوثي البارز يحيى الشامي ونجله الذي كان يشغل منصب وزير النقل في حكومة الحوثيين غير المعترف بها زكريا الشامي".

وتساءل الذهب عن السبب والثمن والطريقة التي تخلّص بها الحوثيون من إيرلو، لافتاً إلى أن الدبلوماسي الإيراني كان في صنعاء وتحركاته بحماية مخابرات صنعاء، وليس في الرياض، في إشارة للتكهنات التي رجحت وجود يد للتحالف.

الخارجية الإيرانية كانت روايتها مختلفة حيث أشار المتحدث باسم الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده إلى أن "إيرلو" كان من المحاربين القدامى في الحرب الكيماوية، وقد أصيب في هجومٍ كيمياوي أثناء الحرب العراقية - الإيرانية، ثم أصيب بفيروس كورونا أثناء عمله باليمن.. مؤكداً وفاته متأثراً بفيروس كورونا رغم الإجراءات الصحية وخطوات العلاج إلا أنه توفي.. إلا أن الكثير من المحللين أكدوا خلاف هذا الإعلان، وقد أكد المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي في مداخلة مع قناة "يمن شباب"، أنه يمتلك معلومات تؤكد أنه خرج "ميتاً وليس حتى مصاباً، وأنه نقل جثة".. لافتاً إلى أن إيرلو قتل في غارة للتحالف العربي، في اجتماع عسكري مع عددٍ من القيادات.

وذكر أن سماح بلاده لإخراج إيرلو "ميتاً" من اليمن جاء "استجابة لوساطة عراقية"، مشيراً إلى أنها هدفت من خطوة نقل إيرلو لبلاده إلى "تسجيل نقطة إنسانية في هذا المجال".

وأضاف: "منذ تسلم الفريق الركن مطلق بن سالم الأزيمع قيادة القوات المشتركة، وجدنا دقة في الاستهدافات وإصابات بالغة للحوثيين ومخازنهم وذخائرهم".

من جانبه قال الإعلامي والأكاديمي السعودي غنام المريخي، إن تداول خبر إصابة إيرلو "يؤكد أنه تعرض للقصف في جبهات القتال أو مواقع عسكرية"، مضيفاً أنه "من المؤكد أن السفارة الإيرانية في صنعاء لم تقصف".

فيما نقلت وسائل إعلام تصريحات متعددة لعدد من الخبراء السياسيين والعسكريين من بينهم الخبير السياسي السعودي والكاتب في صحيفة "مكة الإلكترونية"، عبد الله العساف، الذي يشغل منصب أستاذ الإعلام السياسي، والذي قال إن السفير الإيراني قتل إثر استهدافات عسكرية على مواقع إيرانية في صنعاء، مشيراً إلى تغييرات سيشهدها الملف اليمني بعد تلك الحادثة.

من جانبه أشار الباحث العراقي في مركز “الجزيرة للدراسات”، لقاء مكي، إن موت إيرلو بصنعاء، كان يمكن أن يظل مكتوماً، لولا التوسط لنقله خارج اليمن، والمهم في ذلك هو أن جروح القصف التي أصابت السفير، وتسببت بموته، أصابت بالتأكيد كثير من أتباعه بقيادات الحوثي أو من الضباط الإيرانيين".

وكان وزير الاعلام والثقافة والسياحة معمر الارياني قد أكد قبل شهرين من إعلان وفاة إيرلو أن هذا الضابط في فيلق القدس يواصل تقديم نفسه عبر وسائل الاعلام الحاكم الفعلي في العاصمة المختطفة ‎صنعاء.

وقال" إن المدعو إيرلو يتعمد توجيه رسائل للعالم بأن اليمن باتت جزء من مناطق النفوذ الايراني، فيما قيادات وعناصر مليشيا الحوثي تزايد كل يوم بالحديث عن السيادة الوطنية والوصاية الأجنبية".

لكن الإرياني بعد مقتل أو موت إيرلو، عقب ساخراً "إيرلو الذي اختبر بأس اليمنيين، فلا هو عاد مشياً على قدميه كما دخلها، ولا هو ذاق تمر مارب".

وقال في تغريدات بمدونة التدوين الأصغر"تويتر": "بعد عام من وصول إيرلو حاكم عسكري تبخر مشروع طهران في اليمن على صخرة استبسال وصمود مأرب، وعادت تستجدي الوساطات لمجرد إجلائه، بعد أن مرغ اليمنيون بدعم من التحالف بقيادة أنفها في التراب، أما إيرلو الذي اختبر باس اليمنيين، فلا هو عاد مشياً على قدميه كما دخلها، ولا هو ذاق تمر مارب".

وأضاف:" دفع النظام الإيراني بالضابط في فيلق القدس حسن إيرلو حاكماً عسكرياً بصلاحيات مطلقة في العاصمة المختطفة صنعاء، إيذاناً بمرحلة جديدة من التدخل انتقلت فيها طهران للواجهة في إدارة التصعيد السياسي واجهاض الحلول السلمية للأزمة، وقيادة العمليات العسكرية ميدانياً في مأرب والبيضاء وشبوة".

وتابع في تغريدة أخرى: "احتفت مليشيا الحوثي بحسن إيرلو، واستقبلته بالسجاد الاحمر، ومكنته طيلة فترة تواجده في صنعاء من قرارها السياسي والعسكري "السلم، الحرب" ليمارس خلالها طقوس الحاكم الفعلي، الذي يتصدر الاحتفالات، يزور المؤسسات، يتفقد الأوضاع، لتكشف للعالم انقيادها وتبعيتها العمياء للنظام الإيراني".

من جانبه قال الكاتب والسياسي مروان الغفوري إن " موت حسن إيرلو، أو مقتله، يحمل بعض العزاء لضحاياه اليمنيين وذويهم".

وأضاف:" ترك خلفه آلاف الجثث متناثرة على حدود مأرب، وعاد يحمل جثته إلى جحيمه المستحق.كان إيرلو هو القائد العسكري والسياسي للجماعة الإرهابية التي تحكم صنعاء. بموته، أو مقتله، يموت السفير الوحيد في العالم الذي اعترف بسلطة الحوثيين".

وأكد الغفوري ـ الذي يعمل طبيباً في ألمانيا، بالقول:" شخصياً أستبعد فيروس كورونا الجديد كسبب مباشر في الوفاة، مطلع العام رفض الحوثيون لقاح استرازينيكا، ثم أخذوا فقط ألف جرعة، العدد المحدود من اللقاح وزع للقادة الكبار، وبالطبع حصل إيرلو على جرعته، احتمالات الوفاة مع اللقاح منخفضة للغاية".

ومهما تعدد روايات مقتل إيرلو بغارة جوية، أو متأثراً بإصابة بفيروس كورونا، بعد ثلاثة أيام فقط من إجلائه من صنعاء إلى العراق، السبت الماضي، على متن طائرة عراقية، عقب وساطة عراقية وعمانية، فإن هذه الحادثة تشكل بالنسبة لإيران خسارة كبيرة لفقدانها أحد القيادات التي أولتها ملف اليمن، وباعتباره الممسك بزمام القرار في صنعاء، والمسؤول أيضاً عن إدارة الملف العسكري ضد الحكومة الشرعية.